وهبة الزحيلي
168
التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج
أحد الزعماء والرؤساء ، ولم يجدوا تهمة أرخص من اتهامه بالسحر والكذب ، وذلك دليل الإفلاس . ثم أورد اللّه تعالى لهم شبهات ثلاثا في وصف النبي بالكذب : الأولى تتعلق بالألوهية أو التوحيد ، والثانية بالنبوة ، والثالثة بالمعاد ، وهنا ذكر شبهتين ، والثالثة ستأتي في آية وَقالُوا رَبَّنا عَجِّلْ لَنا قِطَّنا قَبْلَ يَوْمِ الْحِسابِ . 1 - توحيد الإله : أَ جَعَلَ الْآلِهَةَ إِلهاً واحِداً ، إِنَّ هذا لَشَيْءٌ عُجابٌ أصيّر الآلهة إلها واحدا ، وقصر الألوهية على اللّه سبحانه ، إن هذا لشيء بالغ النهاية في العجب . وإنما تعجبوا لأنه كان لكل قبيلة إله ، وكانوا يقولون : إنما نعبدهم ليقربونا زلفى إلى اللّه ، واللّه يملكهم ، فأي ضير في هذا ؟ وادعوا العجب ممن رفض الآلهة المتعددة ، وقالوا : إن آباءهم على كثرتهم ورجاحة عقولهم لا يعقل أن يكونوا جاهلين مبطلين ، ويكون « محمد ص » وحده محقّا صادقا . وهذا مجرد تقليد أعمى وإرث منقول دون دليل عقلي ولا نقلي . وسبب نزول هذه الآيات الكريمات كما تقدم : ما رواه الترمذي وغيره بلفظ آخر عن ابن عباس ، قال : « مرض أبو طالب ، فجاءت قريش إليه ، وجاء النبي ص ، وعند رأس أبي طالب مجلس رجل ، فقام أبو جهل كي يمنعه ، قال : وشكوه إلى أبي طالب ، فقال : يا ابن أخي ، ما تريد من قومك ؟ فقال : يا عم ، إنما أريد منهم كلمة تذلّ لهم بها العرب ، وتؤدي إليهم بها الجزية العجم ، فقال : وما هي ؟ قال : لا إله إلا اللّه ، قال : فقالوا : أَ جَعَلَ الْآلِهَةَ إِلهاً واحِداً ؟ فنزل فيهم القرآن ص ، وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ ، بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي عِزَّةٍ وَشِقاقٍ حتى بلغ إِنْ هذا إِلَّا اخْتِلاقٌ « 1 » . ورواه بلفظ آخر ابن أبي حاتم وابن جرير عن السدّي .
--> ( 1 ) قال الترمذي : هذا حديث حسن صحيح .